جبال البلقاء الاخباري: تسريح الأنظار في كلام خير الأبرار: فضل عشر ذي الحجة:
جاء في فضل عشر ذي الحجة الأحاديث الصحيحة والحسنة الآتية:
1 – عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "ما منْ أيامٍ العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله عز وجل: من هذه الأيام". يعني أيَّام العشر قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسهِ وما لهِ، ثمَّ لمْ يرجعْ من ذلك بشيء". رواه البخاري والترمذي، وأبو داود وابن ماجه.
2- عند الطبراني في الكبير بإسناد جيد، ولفظه قال:
"ما من أيَّامٍ أعظم عند الله، ولا أحبُّ إلى الله العمل فيهنَّ من أيام العشر فأكثروا فيهنَّ من التَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والتكبيرِ".
3- في رواية للبيهقي قال: "ما منْ عملٍ أزكى عند الله، ولا أعظم أجرًا من خيرٍ يعملهُ في عشر الأضحى" قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه ومالهِ فلمْ يرجعْ من ذلك بشيءٍ".
فقال: فكان سعيد بن جُبيرٍ إذا دخل أيَّام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدرُ عليه.
4– وعنْ عبد الله، يعني ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله :
ما من أيَّامٍ العمل الصَّالح فيها أفضل من أيَّام العشر. قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله. رواه الطبراني بإسناد صحيح.
5 – وعنْ جابرٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله قال: أفضل أيام الدنيا العشر. يعني عشر ذي الحجَّة. قيل: ولا مثْلُهنَّ في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهنَّ في سبيل الله إلا رجلٌ عفِّر وجههُ بالترابِ، الحديث. رواه البزار بإسناد حسن.
1- هذه الأحاديث تتحدث عن فضل العمل الصالح في عشر ذي الحجة، فما هو العمل الصالح؟
العمل الصالح هو القيام بكل ما يرضي الله تعالى من الأقوال والأفعال والنوايا.
إيجابا بعملها إن كانت صالحة.
وسلبا بتركها إن كانت سيئة.
2- فالعمل الصالح لا يوجد وحده بل هو يصدر عن الإنسان، والأصل أن يكون موجودا في كلّ وقت ومكان.
3- لكن اقتضت حكمه الله تعالى من باب التحفيز والتشجيع على العمل أن يكون نفس العمل لكن باختلاف زمان ومكان عمله يختلف الأجر والثواب فيه، فيكون أجر العمل وثوابه أعظم و أكبر .
ومن ذلك وقت العشر من الحجة العمل فيها أجره أكبر وأعظم.
فإذاً أيام العشر أفضل أيام الدنيا ليس لأي أحد بل لمن أكثر فيها من الأعمال الصالحة، وأيام العشر نعمة ، والشكر عليها يكون باستغلالها حق الاستغلال.
أما من يضيّعها ويفرط فيها فهي تكون حجة عليه، وحسرة وندامة.
6- لكن السؤال الآن: كيف نستغلّ أيام العشر تمام الاستغلال؟
أ-أن نملأ أكبر وقت في هذه الأيام بالعمل الصالح.
ب- أن نعمل أفضل الأعمال الصالحة - التركيز على النوعية-، أفضل عمل صالح هو الذي تحصل فيه على أكبر عدد من الحسنات، والعمل الذي تحصل فيه على أكبر عدد من الحسنات لا بدّ أن يكون هو العمل الأفضل والأعظم والأحب إلى الله تعالى، والذي فيه التزكية للسلوك والتزكية للنفس.
فنفس العمل الصالح يكون في العشر من ذي الحجة وغيرها، لكن يكون في عشر ذي الحجة الأفضل والأعظم والأحب إلى الله تعالى ، لماذا ؟ لأنه أتى في عشر ذي الحجة.
7- ولكن ما هي مواصفات العمل الصالح الذي نحصل من خلاله على أكبر عدد من الحسنات ؟
لننظر في القواعد الموضوعة لمواصفات العمل الصالح، ولننظر في سلم ترتيب العمل الصالح وحصولنا على الأجر والثواب من خلاله:
أ-أعمال أركان الإيمان ومشتقاته .
ب- أعمال أركان الإسلام وفروعها.
وأعمال أركان الإيمان والإسلام تندرج في باب الأعمال الواجبة، فإذاً هذه الأعمال لا يعدلها شيء، وأعمال الإيمان هذه موجودة في أصلها وليس في تمامها عند كل مسلم ، موجودة في أصلها لأن عدم وجودها يجعل المسلم كافرا، ولكن ليس شرط أن توجد في تمامها، لأن بوسع كل مسلم أن يجوّدها ويحسنها باستمرار.
وأما أعمال أركان الإسلام فهي في جملتها لا ينفي عدم قيام المسلم بها صفة الإسلام عنه، ولكن تركها أعظم جرم يقع من المسلم، و إثم تركها كبير لا يقارن بأي عمل آخر.
لذا فلو أن إنسانا يجدّ في عشر ذي الحجة وهو لا يصلي فهو مخطأ خطأ فادحا في استغلالها، لا يصلحه قيامه بأي عمل صالح آخر.
ت- ثم في المرتبة الثالثة يكون العمل الصالح المتعدّي نفعه للغير، وهذا العمل ينظر فيه الشخص المقدم له العمل الصالح، ونوع النفع وعدد من ينتفع منه.
فهنا أهم عمل صالح ما قدّم للأم ثم للأب ثم للأقرب فالأقرب، وطبعا بالنسبة للمرأة المتزوجة زوجها مقدّم على كل السابقين.
وبعده يأتي نوع النفع المقدم فمثلا الأعمال الصالحة المتعلقة بالعلم وتعليم فرائض الشريعة مقدمة على الأعمال المتعلقة بمساعدة الفقراء والمحتاجين.
وكلما زاد عدد من ينتفع بالأعمال الصالحة زادت الحسنات المتحصّلة.
ث- الأعمال الصالحة المستحبة التي يقتصر نفعها على الذات.
فأهم الأعمال الصالحة هنا التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل. فلنحرص على الإكثار من الأذكار والتكبير في هذه الأيام، فكل من هلّ أو كبّر يبشّر كما جاء في الحديث الشريف.
8- ثم نأتي هنا الذكر والتمثيل بأهم عمل صالح ألا وهو الجهاد، فلماذا وقع الاختيار على الجهاد؟
أولا: لنعلم أن الجهاد يأتي وفق سلم ترتيب أفضلية الأعمال الصالحة في المرتبة الثالثة، أي بعد أعمال الإيمان والإسلام ، فأعمال أركان الإيمان والإسلام أهم من الجهاد، ومقدمة عليه.
فالاعتناء والتجويد والتحسين لها أهم من الحرص على الجهاد، وبعد الإتيان بها بالصورة الحسنة المطلوبة يأتي الجهاد.
فجهاد الإيمان بالله تعالى وتعظيمه والتوكل عليه والاعتقاد المترجم سلوكا بأنه هو النافع والضار والرزّاق ومالك الملك، والتسليم بالقضاء والقدر، وإتقان الصلاة وإيتاء الزكاة، وغيرها أعظم من الجهاد كله حتى أعظم من جهاد فيه زهقٌ للنفس وبذلٌ للمال.
ولا يمكن أن يكون هناك جهاداً حقا دون القيام بهذه الأعمال.
ثمّ يأتي بعدهنّ الجهاد، فالجهاد الواجب مقدم على العمل الصالح المتعلق بالزوج أو الأبوين، لأنه لدفع ضرّ نزل بالأمة، أما إن لم يكن الجهاد مفروض بل مستحب فالزوج والأبوان العمل الصالح المتعلق بهم مقدم على الجهاد حتى لو فنت النفس وتلف المال في تعاطيه.
9- ثم لماذا تمّ النص على الجهاد؟
أ- لأن فيه خير متعدّ متعلق بالأمة، فليس هناك منفعة أعظم وأغلى فائدة تقدم للأمة من تقديم الإنسان لنفس وماله.
ب- والجهاد فيه لفتة إلى مجاهدة النفس الذي ينطوي على استمرارية العمل الصالح واستمرارية الثبات على الحق واستمرارية الإخماد لنار الشهوات والنزوات والتي هي في الغالب ناتجة عن شرور النفس وحب المال.
فكم من فتن وشرور أتت من النفس ومن التنافس على المال، فجاء الحديث ليخلص الإنسان من عبودية الشهوة والمال إلى العبودية لله تعالى وحده.
ت- أيضا الجهاد بالنفس والمال ينطوي على أعظم تضحية ممكن أن يقدمها الإنسان، فلا يتأتى للإنسان المجاهدة بالنفس والمال إلا بعد قيامه بكل الأعمال الصالحة، فيكون المسلم قد قام بكل عمل صالح مهما كان ينطوي على مشقة وكلفة، وهذه الجهاد لا يمكن القيام إلا مرة واحدة؛ لأن القائم به لا يرجع منه ؛ لأنه يكون قد استشهد.
10- ومن لم يحسن في هذه الأيام فقد خاب وخسر، ويا حسرة عليه.
فبأي زمن يصلح أمره؟، و باي وقت يحرص على نجاة نفسه من عذاب جهنم.
11- كثير من الناس من يلبس عليه الشيطان ، ولا يحسن ترتيب الأعمال التي ينبغي عليه القيام بها في هذه الأيام فيقدم تلاوة القرآن والصيام وقيام الليل عليها.
بل ربّما يقدم حجة نافلة عليها وجميع الأعمال السابقة تعلوها وتسمو عليها وفق قاعدة ترتيب أهمية الأعمال الصالحة السالفة الذكر.
بل ربّما قدّم الحج بالطرق الملتوية عليها، والحج دون مراعاة التعليمات فيه الإثم والوزر؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة ، حتى لو كانت حجة الإسلام ، فطالما الإنسان تعذر عليه الحج النظامي ، فالاستطاعة غير متحصّلة ، وهو لا حج واجب عليه، فكيف بمن يحرص على حج مرّ بعد مرة مخالفا للنظام والتعليمات، والحجّ حال عدم مخالفته للأنظمة والتعليمات هو في المرتبة الأخيرة في قاعدة ترتيب الأعمال الصالحة، لأنه عبادة يقتصر نفعها على النفس، فكيف بمن يحج مخالفا للنظام والتعليمات فهو يكون آثم عاص؟، فليتنبّه لذلك.