الخميس , 27 تشرين الثاني , 2025 :: 10:04 ص
سورة الحشر: دروس اقتصادية متقدمة لبناء مجتمع عادل ومستدام...الدكتور علي الصلاحين
جبال البلقاء الاخباري: حين نقرأ سورة الحشر بتمعّن، ندرك أنها أكثر من سجل تاريخي لأحداث صدر الإسلام؛ فهي نموذج عملي متكامل لإدارة المال والمجتمع على أسس من العدالة والشفافية والمسؤولية الجماعية. فالآية الكريمة تقول:(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ) (الحشر: 7)
في هذه الكلمات العميقة، تتجسد رؤية اقتصادية واجتماعية متقدمة: الثروة ليست ملكًا شخصيًا، بل أمانة جماعية، يجب توزيعها بعدل وحكمة لتشمل الأقارب والفقراء والمساكين والمسافرين المحتاجين، بحيث لا تتحول إلى أداة احتكار أو تركز في يد فئة واحدة.
يمكننا رؤية هذا المبدأ مترجماً اليوم في التمويل الإسلامي الاجتماعي: الزكاة، الوقف، الصدقات، وبرامج التمويل الصغير. هذه الأدوات لا تقتصر على منح المال للفقراء، بل تمنحهم فرصة لتمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا. فمثلاً، أظهرت دراسات حديثة في إندونيسيا أن الجمع بين صناديق التمويل الإسلامي ومؤسسات الزكاة وبرامج التمويل الصغير أسهم في تمكين أكثر من مليون أسرة فقيرة، وزيادة دخولهم بنسبة تصل إلى 18% خلال ثلاث سنوات، بما يعكس تحقيق الشمول المالي وتمكين الفئات الضعيفة. كما يوضح الوقف الإسلامي، الذي أشارت إليه الدراسات حول أداء الصناديق الوقفية الاستثمارية، كيف يمكن تحويل أموال الوقف إلى مشاريع تعليمية وصحية وصناعية تحقق تنمية مستدامة وتقليص الفوارق الاقتصادية، مع تعزيز التكافل الاجتماعي. تؤكد سورة الحشر أيضاً على عنصر المساءلة والشفافية، إذ يحدد نصيب كل جهة بوضوح. هذا المبدأ يجسد اليوم أفضل ممارسات حوكمة الأموال العامة والخاصة، سواء في ميزانيات الحكومات أو صناديق التنمية الاجتماعية، لضمان الاستخدام الأمثل للموارد ومنع الفساد. إن تطبيق هذه المبادئ يُظهر أن المال، وفق الرؤية القرآنية، ليس غاية بحد ذاته، بل أداة لتحقيق الخير العام والتنمية الشاملة. فالاستثمار في الزكاة، الوقف، والمشاريع الاقتصادية الإسلامية يتيح لكل مشروع أن يكون مصدر رفاه للفرد والمجتمع، ويحوّل الثروة من مجرد سلعة اقتصادية إلى وسيلة لتعزيز العدالة والاستقرار الاجتماعي. من هذا المنظور، تصبح سورة الحشر أكثر من نص ديني أو تاريخي؛ إنها خارطة عملية لبناء مجتمع متوازن، يجمع بين العدالة الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية، ويؤكد أن رفاهية المجتمع هي الهدف الأسمى لكل ثروة وموارد. فالمال مسؤولية، والكرامة الإنسانية حق، والتكافل الاجتماعي واجب، وعندما نطبّق هذا الفهم في حياتنا الاقتصادية المعاصرة، نحقق مجتمعاً أكثر عدلاً واستقراراً وازدهاراً.
|